لسنوات طويلة، كان “كابوس الرسوم” (Gas Fees) هو العبء الأكبر الذي يثقل كاهل شبكة إيثيريوم. يتذكر المستثمرون جيداً أيام “صيف التمويل اللامركزي” (DeFi Summer) عندما كانت تكلفة إرسال معاملة بسيطة تتجاوز 50 دولاراً، وتصل لمئات الدولارات لسك (Minting) أصل رقمي. كان هذا العائق يهدد بتحويل إيثيريوم من “حاسوب عالمي” للجميع إلى “نادي للأثرياء” فقط.
لكن المشهد تغير دراماتيكياً. نحن الآن نعيش لحظة مفصلية في تاريخ البلوكشين، حيث لم تعد المعركة تدور حول “خفض الرسوم” فحسب، بل حول إعادة تعريف هيكلية الإنترنت اللامركزي بالكامل من خلال هيمنة حلول الطبقة الثانية (Layer 2).
واجهت إيثيريوم “معضلة البلوكشين الثلاثية” (Scalability Trilemma): لا يمكنك الحصول على الأمان، واللامركزية، والتوسع في آن واحد. اختارت إيثيريوم التمسك بالأمان واللامركزية على حساب السرعة، مما أدى لاختناق الشبكة.
الحل لم يكن في تسريع الشبكة الرئيسية (Layer 1)، بل في تغيير وظيفتها.
الرؤية الجديدة (The Modular Roadmap): تحولت إيثيريوم لتصبح “طبقة تسوية” (Settlement Layer) توفر الأمان فقط، بينما تركت مهمة معالجة المعاملات لشبكات الطبقة الثانية (Rollups) مثل Arbitrum و Optimism.
في مارس 2024، نفذت إيثيريوم تحديثاً تاريخياً يُعرف بـ Dencun (يتضمن مقترح EIP-4844). هذا التحديث هو السبب المباشر وراء انخفاض الرسوم الذي نراه اليوم.
كيف يعمل؟ سابقاً، كانت شبكات الطبقة الثانية تضطر لتخزين بياناتها على إيثيريوم بشكل دائم ومكلف. تحديث Dencun قدم ما يسمى بـ “Blobs” (كتل البيانات المؤقتة). تخيل أن الشبكات كانت تشتري أراضٍ باهظة لتخزين بياناتها، والآن أصبحت تستأجر مساحات تخزين مؤقتة ورخيصة جداً.
النتيجة: انخفضت رسوم المعاملات على شبكات مثل Base و Arbitrum من دولار ونصف إلى أقل من سنت واحد (0.01$)، مما جعل التطبيقات الصغيرة (Micro-transactions) والألعاب ممكنة لأول مرة.
هنا يكمن الجزء الأكثر إثارة في القصة. هناك تحول في ميزان القوى والسيولة:
البيانات تشير بوضوح إلى أن المستخدم العادي لم يعد يتعامل مع إيثيريوم (Mainnet) مباشرة إلا نادراً.
هذا التحول خلق توتراً اقتصادياً مثيراً للاهتمام. مع انخفاض الرسوم بشكل هائل بفضل الـ Blobs، انخفضت عوائد إيثيريوم من “حرق الرسوم” (ETH Burn)، مما جعل العملة تعود للتضخم الطفيف في بعض الفترات بعد أن كانت انكماشية (Deflationary).
لكن المدافعين يرون الصورة الأكبر: “حجم قليل وكثافة عالية”. الهدف هو أن تستضيف إيثيريوم آلاف شبكات الطبقة الثانية، مما يعوض انخفاض الرسوم بزيادة هائلة في حجم الاستخدام العالمي.
نعم، يمكن القول إن أزمة الرسوم المرتفعة للمستخدم النهائي قد حُلت تقريباً بفضل الطبقات الثانية. ولكن ظهر تحدٍ جديد: “التشرذم” (Fragmentation). السيولة الآن مشتتة بين عشرات الشبكات (Arbitrum, Optimism, zkSync, Base, Linea). نقل الأموال بين هذه الشبكات لا يزال معقداً ومحفوفاً بالمخاطر الأمنية (عبر الجسور – Bridges). المعركة القادمة ليست حول الرسوم، بل حول “تجريد السلسلة” (Chain Abstraction): جعل المستخدم يستخدم التطبيق دون أن يعرف أصلاً أي شبكة يستخدمها في الخلفية.
إيثيريوم نجحت فيما فشل فيه الكثيرون؛ لقد قامت بتحديث محرك الطائرة وهي تحلق. من خلال حلول الطبقة الثانية، تخلت إيثيريوم عن دور “واجهة المستخدم” لصالح دور “المحكمة العليا” الرقمية التي تضمن أمان الجميع.
قد لا نرى المستخدمين يشتكون من “رسوم الغاز” بعد الآن، لكننا سنشهد صراعاً شرساً بين شبكات الطبقة الثانية (L2 Wars) للسيطرة على المستخدمين، حيث البقاء سيكون للأكثر سلاسة والأسهل استخداماً، وليس فقط للأرخص.


